السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
5
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
ثم طفقوا ينقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين ، ففرغ رسول اللّه منهم مع الفجر ، فانطلق إليّ فقال تمت ؟ قلت لا واللّه يا رسول اللّه ، لقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك ، تقول لهم اجلسوا ، فقال لو خرجت ( من خطتك ) لم آمن عليك أن يتخطفك بعضهم ، ثم قال : هل رأيت شيئا ؟ قلت نعم رأيت رجالا سودا عليهم ثياب بيض ، قال أولئك جنّ نصيبين سألوني المتاع والزاد فمتعتهم بكل عظم حائل وروثة وبعرة ، قالوا يا رسول اللّه يقذرها الناس علينا ( فنهى صلى اللّه عليه وسلم أن يستنجى بالعظم والروث ) فقلت يا رسول اللّه سمعت لغطا شديدا فقال إن الجن قد تدارأت ( أي اختلفت فيما بينها وتدافعت في الخصومة ) في قتيل قتل بينهم ، فتحاكموا إليّ فقضيت بينهم بالحق ( هذا ينافي قول من قال إنه صلّى اللّه عليه وسلم ما عرف ما ذا قال الجن وأي شيء فعلوا ) بل تفيد أنه صلى اللّه عليه وسلم فهم منهم وأفهمهم ، وإلا لما جاز أن يقضي بينهم ، لأن القضاء لا يجوز إلا بعد معرفة قول المدعي والمدعى عليه ، ولا يكون إلا بالإقرار أو البينة أو الحلف ، وينافي القول أيضا بأنه لم ير الجن ، فإذا كان ابن مسعود وهو محجّر عليه بعيد عنهم وآهم ، فكيف به صلى اللّه عليه وسلم وقد أحاطوا به كالهالة في القمر ؟ أما إذا قيل إنه صلّى اللّه عليه وسلم لم يرهم على صورتهم التي خلقوا عليها فيجوز ، لأنهم يتكيفون بصور مختلفة وهيئات متباينة ، وقد جاء أنه صلّى اللّه عليه وسلم رآهم . بصفة الإنس كما مر في قول ابن مسعود رضي اللّه عنه ، وكذلك كان يرى الملك بصورة دحية كما مرّ في بحث الوحي في المقدمة ، قال ثم تبرز صلى اللّه عليه وسلم وأتاني فقال هل معك ماء ؟ قلت يا رسول اللّه معي أداوة ( إناء فيه ماء كالجود للمسافر ) فيها شيء من نبيذ التمر فاستدعاني فصببت على يده فتوضأ وقال ثمرة طيبة وماء طهور . هذا ، وقد ضعف هذا الحديث جماعة كما ذكره البيهقي في كتابه ( الخلافيات ) بأسانيد وأجاب عنها كلها ، والذي صح عن علقمة قال : قلت لابن مسعود وهل صحب النبي صلى اللّه عليه وسلم ليلة الجن منكم أحد ؟ قال ما صحبه منا أحد ( فمن هنا ظهر ضعف حديث التوضؤ بنبيذ التمر إذ يقول فيه إن ابن مسعود صحب النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقط بعد أن قال ما قال ، وهنا يقول هو نفسه ما صحبه منا